Translate

اضطرابات الإدراك الرياضي: عسر الحساب ما هو وما أسبابه وأعراضه ودور المعلم في التعامل معه؟

اضطرابات الإدراك الرياضي: عسر الحساب
ما هو وما أسبابه وأعراضه ودور المعلم في التعامل معه؟

 

يُعد عسر الحساب (Dyscalculia) أحد اضطرابات التعلم المحددة، ويعني الصعوبة المستمرة في فهم الأعداد والعمليات الحسابية الأساسية. قد يبدو الأمر في البداية كضعف عابر في مادة الرياضيات، لكنه في الحقيقة اضطراب عصبي نمائي يؤثر في قدرة الدماغ على المعالجة العددية. تقول الدراسات إن ما بين 3% إلى 5% من الأطفال يعانون من هذا الاضطراب، ويصيب الذكور والإناث بنفس النسبة تقريبًا.

من المهم أن يعي المعلمون وأولياء الأمور الفرق بين الضعف العادي في الرياضيات واضطراب الحساب الحقيقي، لأن التعامل التربوي والعلاجي يختلف في الحالتين اختلافًا جذريًا.

 


ما هو اضطراب الحساب؟

اضطراب الحساب هو عجز في الدخول في آليات التفكير العددي وفهم العلاقات الرياضية. يندرج هذا الاضطراب في التصنيف الأمريكي الرابع والخامس DSM-5 ضمن "اضطرابات التعلم المحددة".
يُلاحظ أن الطفل يمتلك ذكاءً طبيعياً أو حتى مرتفعاً، لكنه يعاني تحديداً عند استخدام الأرقام، الحساب الذهني، أو المقارنة الكمية.

يعتمد التشخيص غالباً على الفجوة بين القدرات الإدراكية العامة والمهارات العددية. ويؤكد الباحثون أن هذا المجال أقل تطورًا من أبحاث عسر القراءة أو اضطراب فرط الحركة، رغم أن الاهتمام به ازداد منذ بدايات الألفية الثانية.

المشكلة الأساسية هي أن المصطلحات وتعدد الفئات المقترحة (الإجرائي، العددي، الحقائق العددية...) تجعل من فهم هذا الاضطراب تحدياً كبيراً. لكن الأساس التربوي يظل أن العجز ليس في الرغبة بالتعلم بل في طريقة معالجة الدماغ للأعداد.

 

عناصر التشخيص

يعرف باحثون بريطانيون اضطراب الحساب بأنه "حالة تؤثر على القدرة على اكتساب مهارات الحساب".
الأطفال المصابون يواجهون صعوبات مثل:

  • ضعف الفهم الحدسي للأعداد (كبر، صِغَر، ترتيب).
  • صعوبة في تعلم الحقائق الحسابية (مثل النتائج المحفوظة في الضرب أو الجمع).
  • بطء في الإجراءات الحسابية مقارنة بأقرانهم.
  • ارتباك عند التعامل مع الرموز الرياضية أو اتجاهات العمليات.

تختلف التقديرات الإحصائية من بلد إلى آخر تبعًا لمعايير التشخيص. بعض الدراسات ترفع النسبة إلى 14% من تلاميذ الصفوف الأولى، بينما تشير تقديرات أكثر تحفظاً إلى حوالي 3–5%.
ومن الملاحظ أن عسر الحساب لا يفرق بين الجنسين، أي أن الفتيات يتأثرن بنفس قدر الفتيان.

 


العلاقة بين عسر الحساب والاضطرابات الأخرى

يميل هذا الاضطراب إلى التداخل مع اضطرابات تعلم أخرى، أبرزها:

  • عسر القراءة (Dyslexia): حوالي 30% من الأطفال المصابين بعسر الحساب يعانون أيضًا من صعوبات في القراءة.
  • اضطراب الانتباه وفرط الحركة (ADHD): يُلاحظ التشارك في حوالي 25% من الحالات.

هذه الارتباطات تعود إلى تشابه المناطق الدماغية المسؤولة عن الانتباه، الذاكرة العاملة، والمعالجة التسلسلية. من جهة أخرى، يمكن أن يمتلك بعض الأطفال المصابين بعسر الحساب قدرات لغوية جيدة، مما يوضح أن الاضطراب ليس لغويًا خالصًا.

أما من الناحية البصرية المكانية، فكثير من الأطفال يظهرون ضعفًا في التمثيل المكاني للأعداد، مثل عدم القدرة على تحديد موقع الرقم الصحيح على الخط العددي الذهني. يقترح الباحث ستانيسلاس ديهاين أن هذه الصعوبة تؤثر مباشرة في تقدير الكميات، مما ينعكس على أداء الطفل في العد والجمع.

 

الجوانب الثلاثة للأعداد في التعلم الرياضي

لفهم عسر الحساب، يجب التمييز بين ثلاثة جوانب رئيسية للعدد:

الجانب

التفسير

مثال

الأساسي (الكمي)

يصف عدد العناصر في مجموعة.

"ثلاث كرات" = 3 عناصر.

الترتيبي

يحدد موقع العنصر داخل تسلسل.

"الكرة الثالثة".

الاسمي

يخصص رقماً أو اسماً لعنصر معين.

"منزل رقم 3".

الطفل الذي يعاني من عسر الحساب يجد صعوبة في الربط بين هذه الجوانب الثلاثة، مما يؤدي إلى ارتباك إدراكي شامل في التعامل مع الأرقام.

 

تأثير الذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية

تعد الذاكرة العاملة بمعناها النفسي أحد المفاتيح لفهم اضطرابات الحساب.
يُظهر الأطفال المصابون سعةً منخفضة لهذه الذاكرة، مما يؤثر على سرعة المعالجة ودقة الأداء. مثال ذلك:

عند حل المسألة ، يحتاج الطفل إلى تخزين نتيجة ثم ، ثم تذكّر النتيجة الأولى لإكمال الجمع. ضعف الذاكرة العاملة يجعل الطفل ينسى أو يخطئ أثناء العملية.

كما أظهر الباحث أوليفييه هودي أن آلية التثبيط الإدراكي ضرورية لتعلّم العد الصحيح، لأن الدماغ يحتاج إلى كبح الحدس الأولي (مثل الاعتماد على التخمين) للسماح بالتفكير المنطقي والرياضي.

 

الفرق بين ضعف في الرياضيات وعسر الحساب

يجب على المعلم أن يفرّق بين:

الحالة

الوصف

النتائج

ضعف في الرياضيات

ناتج عن نقص التدريب أو الخوف من المادة.

يمكن تحسينه بالتدريب والدعم.

عسر الحساب

اضطراب عصبي موجود منذ الولادة.

يحتاج لتدخل خاص واستراتيجيات تعليمية مكيّفة.

كثير من المعلمين يخطئون حين يفسرون أداء التلاميذ الضعيف بأنه اضطراب "ديس"، بينما قد يكون مجرد ضعف تحفيزي. والعكس صحيح: قد يتجاهل البعض أعراض عسر الحساب الحقيقي ويكتفي بتصنيف الطفل بأنه "ضعيف في الرياضيات".


 

العوامل العصبية والأصل البيولوجي

أظهر التصوير بالرنين المغناطيسي اختلافات في نشاط المنطقة القشرية الجداريّة عند الأطفال المصابين مقارنة بغيرهم أثناء المهام العددية. هذه المنطقة مسؤولة عن تكوين التمثيلات الذهنية للعدد والمقارنة الكمية.
ويُعتقد أن الخلل يحدث بسبب ضعف في الاتصال بين مناطق متعددة تشارك في المعالجة العددية.

رغم أن السبب الجيني لم يُحدد بدقة بعد، إلا أن هناك ميلاً لاعتباره اضطرابًا عصبياً نمائياً يظهر أثناء النمو ولا ينتج عن إصابة لاحقة أو ضعف في الذكاء.

 

دور المعلم في الاكتشاف والمرافقة

المعلم هو الحلقة الأساسية لاكتشاف مبكر لحالات عسر الحساب.
من خلال ملاحظاته اليومية، يمكنه تمييز الطفل الذي يواجه عجزاً مفهوماً لا أسلوبياً، مثل:

  • صعوبة قراءة الأعداد أو ترتيبها.
  • ارتباك في العد التنازلي أو الجمع الذهني.
  • ضعف في تقدير الكميات أو المسافات.
  • ميل إلى التجنب أو القلق أثناء الأنشطة الحسابية.

ينبغي أن يمتلك المعلم حسًا نقديًا تجاه ثقافة الرياضيات الصفية: فبعض طرق التدريس المعتمدة على الحفظ اللفظي لا تناسب هؤلاء المتعلمين.
لذلك ينصح بتبني الأساليب المحسوسة والاستدلالية مثل الطريقة السنغافورية أو التعلم القائم على الاكتشاف، لأنها تتيح للطفل بناء صورة بصرية ومكانية للعدد قبل التعامل الرمزي معه.

 

استراتيجيات تعليمية فعالة

  • استخدام الوسائل البصرية مثل المكعبات والخطوط العددية والمساطر الملونة.
  • تدريب الطفل على الربط بين الكلمة والكمية والرمز.
  • تقوية الذاكرة العاملة عبر تدريبات قصيرة ومتكررة.
  • الاعتماد على الخطأ كفرصة تعليمية، لا كعقاب.
  • دمج الألعاب التعليمية الرقمية التي تساعد في تنمية الإحساس العددي.

الصورة المقترحة:

طفل يستخدم مكعبات ملونة للتعلم العددي بطريقة بصرية.


عنوان الصورة: تدريب بصري لمتعلمين يعانون من عسر الحساب.

 

العواقب الحياتية لعسر الحساب

تتعدى آثار عسر الحساب حدود الفصل الدراسي. فالأشخاص المصابون يجدون صعوبة في:

  • إدارة النقود أو الموازنات البسيطة.
  • قراءة الوقت أو الجداول الزمنية.
  • تقدير المسافات والكميات في الحياة اليومية.

هذه التحديات قد تؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس والرهبة من المواقف التي تتطلب تعاملًا مع الأرقام. لذلك، فإن التدخل المبكر والتوعية المدرسية عنصران حاسمان لتجنيب المتعلم الإقصاء الأكاديمي والمهني لاحقًا.

 

مثال توضيحي: الرقم 11

الرقم 11 يبدو بسيطًا، لكنه يحمل ثلاثة معانٍ مختلفة يواجه المصابون بعسر الحساب صعوبة في دمجها:

1.    ترتيبي: الأسبوع الحادي عشر أو الصف الحادي عشر.

2.    كمي: إحدى عشرة كرة أو أربع عشرة تفاحة ناقص ثلاثاً.

3.    اسمي: شارع رقم 11 أو محطة رقم 11.

الطفل الذي لا يميز بين هذه الاستخدامات الثلاثة سيجد أن الأرقام "تغير معناها" من سياق لآخر، فيرتبك إدراكه ويضعف اعتماده على الحدس العددي.

 

البحث العلمي ومستقبل الدراسة

مع تطور علوم الدماغ والتصوير العصبي، بدأ العلماء في اكتشاف مناطق محددة مسؤولة عن "إحساس العدد" (Number Sense). هذا المجال البحثي واعد لأنه سيساعد في:

  • تطوير اختبارات تشخيص مبكر دقيقة.
  • ابتكار برامج تدريب معرفي رقمية.
  • تصميم مناهج تربوية مكيّفة للاضطرابات النمائية.

وفي التصنيف الحديث، استُبدل مصطلح عسر الحساب بالمفهوم الأوسع "اضطراب التعلم المحدد" لتجنب حصر الصعوبات في العمليات الحسابية فقط، إذ يشمل ذلك أيضًا صعوبات في تمثيل العدد، المقارنة، والتقدير.

 

خاتمة

عسر الحساب ليس علامة على ضعف ذكاء الطفل، بل هو اختلاف في كيفية معالجة الدماغ للأعداد.
إن الوعي بهذا الاضطراب لدى المعلمين والآباء خطوة أساسية نحو إدماج الأطفال في التعلم دون تمييز أو تهميش.
بفضل المقاربات الحديثة التي تجمع بين العلم العصبي والتربية الحديثة، يمكن اليوم مساعدة هؤلاء الأطفال على اكتساب ثقة وقدرة تدريجية في التعامل مع الرياضيات، وتحويل مصدر الخوف إلى فضول وفهم
.

 

Next Post Previous Post
No Comment
Add Comment
comment url

مواضيع مختارة لك