Translate

عسر اللغة النمائي أو الديسفازيا من منظور علم النفس العصبي

 عسر اللغة النمائي أو الديسفازيا من منظور علم النفس العصبي


تعدّ بحوث “علم النفس العصبي وصعوبات التعلّم عند الطفل” مرجعاً أساسياً لفهم العلاقة بين الدماغ وتطوّر اللغة والتعلّم، خصوصاً ما يتعلق بالاضطرابات النمائية مثل عسر اللغة (الديسفازيا)، عسر القراءة، واضطرابات الانتباه. سنركّز في مقالنا هذا على اللغة الشفوية، تطوّرها الطبيعي عند الطفل، ثم الاضطرابات المرضية المرتبطة بها، مع تحليل دقيق للبنى الدماغية والوظائف المعرفية التي تدعم هذه العملية المعقّدة.

 

ما هي اللغة الشفوية من منظور العلوم العصبية المعرفية؟

اللغة الشفوية ليست مجرد كلمات نتلفّظ بها، بل هي نظام من الرموز والقواعد يستخدمه الإنسان لتحويل أفكاره إلى عبارات مفهومة للآخرين. تمتاز اللغة الإنسانية بميزتين أساسيتين

·       خاصية التوليد: القدرة على إنتاج عدد لا نهائي من الجمل انطلاقاً من رصيد محدود من الأصوات والكلمات.

  • الوظيفة التواصلية والانفعالية: استعمال اللغة لطلب الحاجات، ونقل المعلومات، والتعبير عن المشاعر، وبناء العلاقات الاجتماعية
  • يفرّق المؤلفان بين اللغة كمنظومة رمزية، والتواصل كعملية أوسع تشمل الإيماءات، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ولغة الجسد، وهي مجالات يمكن أن تبقى سليمة حتى عندما يكون هناك اضطراب عميق في اللغة الشفوية كما في بعض حالات الديسفازيا.

 

أجزاء اللغة: من الصوت إلى المعنى

تبيّن النماذج العصبية الحديثة أنّ هناك بنية مشتركة لجميع لغات البشر، سواء كانت منطوقة أو مكتوبة أو حتى مُشاراً بها كما في لغات الإشارة. ويمكن تلخيص المكوّنات البنيوية الأساسية للغة في خمسة مستويات مترابطة

 

المكوّن اللغوي

وظيفته الأساسية باختصار

مثال مبسّط

الفونولوجيا

تمييز أصوات اللغة وتنظيمها

الفرق بين /ب/ و/م/ في “باب” و“مام

المعجم (الليكسيك)

تخزين الكلمات ومعانيها في الذاكرة

مفردات الطفل اليومية (أم، ماء، سيارة) تتسع تدريجياً

الصرف (المورفولوجيا)

بناء الكلمات من جذور ولواحق

جمع، تصغير، اشتقاق في العربية (كتاب، كتيّب)

النحو (السنتاكس)

ترتيب الكلمات في جملة ذات معنى

أكل الطفل التفاحة” مقابل “التفاحة الطفل أكل

التداولية (البراغماتيك)

استخدام اللغة بشكل مناسب للموقف

اختلاف أسلوب الكلام مع المعلم عن الأسلوب مع صديق

 

تُظهر دراسات التصوير الدماغي أنّ هذه المستويات تعتمد على شبكات عصبية متخصّصة متصلة فيما بينها، وأنّ معالجة الصوتيات والجانب الشكلي للكلمات تتركّز خاصة في نصفي الكرة المخية الأيسر، بينما يشارك النصف الأيمن في الجوانب الدلالية والنبر والتنغيم والتواصل الاجتماعي.

 


تطوّر اللغة النموذجي عند الطفل

يوضّح الفصل أن تطوّر اللغة لا يبدأ مع أول كلمة ينطقها الطفل، بل منذ الأشهر الأولى للحياة عبر تجهيزات عصبية فطرية تمكّنه من معالجة الأصوات البشرية. يمكن تلخيص المراحل الرئيسية كما يلي:

·       التمييز الصوتي المبكر: في الشهور الأولى يستطيع الرضيع تمييز معظم الفروق بين الأصوات في مختلف لغات العالم، ثم يتخصّص تدريجياً في أصوات لغته الأم مع نهاية السنة الأولى

·       تقطيع سيل الكلام: يعتمد الطفل على الإيقاع والنبر (البروز الموسيقي للجملة) لتمييز حدود الكلمات داخل السيل المتصل للكلام الذي يسمعه من الكبار

  • بناء المعجم: بين 18 شهراً و3–4 سنوات يحدث ما يشبه “انفجاراً معجمياً”، إذ يتوسع رصيد الطفل من الكلمات بشكل كبير، خاصة الأفعال والصفات، ويرتبط هذا النمو بتطوّر الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى.
  • اكتساب النحو والقواعد: يتعلّم الطفل قواعد تركيب الجملة بصورة ضمنية من خلال تعرضه المتكرر لجمل اللغة في بيئته، ويستمر ظهور “الأخطاء الجيدة” (تعميم القاعدة) إلى حدود 5–6 سنوات، وهي دليل على أنّ النظام النحوي في طور البناء وليس بالضرورة علامة مرضية.
  • نمو التداولية: يتدرّب الطفل تدريجياً على أخذ دور الكلام، وفهم النوايا، وضبط درجة اللباقة، واستخدام الضمائر والزمن، ثم فهم المجاز والتعابير الاصطلاحية خلال سنوات المدرسة الابتدائية.

الكلام كحركة: من الجهاز الصوتي إلى الاضطرابات الحركية

علينا أن نميز بين اللغة كمنظومة معرفية، والكلام كتنفيذ حركي لهذه المنظومة من خلال أعضاء النطق (اللسان، الشفتان، الحنجرة، الجهاز التنفسي). لا يمكن للطفل فيزيولوجياً بإنتاج أصوات معقّدة قبل اكتمال نزول الحنجرة وتطوّر الفراغ البلعومي تقريباً بين 12–18 شهراً، ما يفسّر أن الكلام الواضح يأتي متأخراً مقارنة بالتطور المعجمي الداخلي .

نستعرض عدداً من الاضطرابات الحركية مثل عسر الكلام (الديسأرتريا) بأنواعه المختلفة، والديسبراكسيا اللفظية، حيث يتعطل التخطيط الحركي لسلسلة الحركات الدقيقة المطلوبة لإنتاج الكلام المنطوق بسلاسة. هذه الاضطرابات يمكن أن تخفي قدرات لغوية عقلية سليمة، لذلك من الضروري تقييم الفهم واللغة الداخلية عبر وسائل بديلة (صور، إشارة، لغة مكتوبة) وعدم الاكتفاء بوضوح النطق.


Next Post Previous Post
No Comment
Add Comment
comment url

مواضيع مختارة لك