Translate

اضطراب اللغة الشفهية عند الأطفال: فهم أعمق لدور المعلّم

 

اضطراب اللغة الشفهية عند الأطفال: فهم أعمق لدور المعلّم




يُعد اضطراب اللغة الشفهية أحد اضطرابات التواصل النمائية التي تؤثر في قدرة الطفل على فهم الكلام أو التعبير عنه، رغم تمتّعه بذكاء عادي وعدم معاناته من إعاقة سمعية واضحة. تشير الدراسات إلى أن هذا الاضطراب يصيب نسبة غير قليلة من الأطفال بدرجات متفاوتة من الشدة، مما ينعكس على مسارهم الدراسي وعلاقاتهم الاجتماعية.

يظهر الاضطراب في سنوات الطفولة المبكرة، لكن التشخيص الدقيق غالبًا ما يُحسم بعد سن الخامسة، حين يصبح من الممكن التمييز بين التأخّر اللغوي البسيط وبين اضطراب لغوي حقيقي يحتاج إلى متابعة علاجية وتربوية مستمرة.


ما هو اضطراب اللغة الشفهية؟

اضطراب اللغة الشفهية هو خلل عصبي نمائي يمسّ البُنى الدماغية المسؤولة عن معالجة اللغة، فيؤثر في واحد أو أكثر من مكوّنات المنظومة اللغوية: الأصوات، والمفردات، والقواعد، وبناء الجملة، واستخدام اللغة في المواقف الاجتماعية. لا يرتبط هذا الاضطراب بضعف عقلي عام، كما أنه لا يُختزل في مشكلة نطق فقط أو تلعثم، بل يتجاوز ذلك إلى طريقة تنظيم اللغة وفهمها واستخدامها في الحياة اليومية.

قد تكون الصعوبة تعبيريّة، حيث يجد الطفل مشقة في إنتاج جملة مفهومة أو اختيار الكلمات المناسبة، أو استقباليّة حين يعجز عن فهم التعليمات والرسائل الشفوية بشكل كافٍ، أو مختلطة تجمع بين الجانبين بدرجات مختلفة.


انتشار الاضطراب وأهميته التربوية

تشير التقديرات إلى أن اضطراب اللغة الشفهية يصيب ما بين ثلاثة إلى سبعة بالمئة من الأطفال تقريبًا، مع ملاحظة أن نسبة الإصابة لدى الذكور أعلى بكثير منها لدى الإناث. تختلف الصورة السريرية من طفل لآخر؛ فبعضهم تظهر مشكلته مبكرًا وتُلتقط بسرعة، بينما يُخفي آخرون صعوباتهم خلف استراتيجيات تعويضية تجعل الاكتشاف متأخرًا.

فهم المعلّم لطبيعة هذا الاضطراب يمكّنه من تكييف ممارساته الصفّية، وتخفيف الضغط عن الطفل، ووضع توقعات واقعية، وتوجيه الأسرة إلى التقييم الطبي والتربوي، بدل تفسير الصعوبات على أنها كسل أو قلة جهد.


استبعاد الأسباب الأخرى قبل التشخيص

لا يُشخَّص اضطراب اللغة الشفهية إلا بعد استبعاد مجموعة من العوامل الأخرى التي يمكن أن تُشبهه في المظهر:

  • التأخر اللغوي البسيط الذي يتحسن سريعًا مع العمر والتحفيز

  • الإعاقة السمعية أو ضعف السمع غير المكتشف

  • الإعاقة العقلية العامة أو الإعاقة النمائية الشاملة

  • الاضطرابات العصبية أو الأمراض أو إصابات الدماغ

  • الاضطرابات الانفعالية الشديدة أو الصدمات النفسية

هذا يعني أن المعلّم لا يُكلَّف بالتشخيص، لكنه شريك أساسي في رصد مؤشرات الخطر وتنبيه الأسرة والطاقم الطبي والتربوي منذ المراحل الأولى.


الأنواع الثلاثة الرئيسية لاضطراب اللغة الشفهية

يمكن، بشكل مبسّط، التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية:

النوعالوصف الموجزما يلاحظه المعلّم في القسم
الاضطراب التعبيريصعوبات في إنتاج اللغة الشفهية من حيث المفردات وبناء الجملة والنحوجمل قصيرة أو غير مكتملة، تكرار كلمات، استخدام إشارات بدل الكلام
الاضطراب الاستقباليصعوبات في فهم الكلام الموجّه للطفلبطء في تنفيذ التعليمات، أسئلة متكررة عن المطلوب، ملامح حيرة
الاضطراب المختلطتضرّر الفهم والتعبير معًا بدرجات متفاوتةصعوبات واضحة في متابعة الشرح والتعبير عن الأفكار في آن واحد

وجود هذا التقسيم يساعد المعلّم على ملاحظة نمط الصعوبات الغالب، مما يوجِّه أسلوبه في الشرح والتواصل والتقويم.


صعوبات إنتاج اللغة الشفهية

من بين أهم المظاهر التعبيرية التي قد يلاحظها المعلّم:

  • ضعف عام في الطلاقة اللفظية؛ بطء في البدء بالكلام، صمت متكرر، أو ردود مقتضبة لا تعكس ما يعرفه الطفل فعليًا

  • جمل غير مكتملة أو مفكّكة، انتقال مفاجئ من جملة سليمة إلى توقف أو تغيير المسار دون إنهاء الفكرة

  • فقر في المفردات؛ صعوبة في إيجاد الكلمة المناسبة، استخدام كلمة عامة مكان أخرى دقيقة، أو اختراع كلمات خاصة به

  • تبسيط أو تشويه في نطق المقاطع والأصوات، أو دمج كلمتين في كلمة واحدة، بما يجعل الرسالة أقل وضوحًا للمستمع

هذه المظاهر لا تعني بالضرورة وجود “كسل” أو “عدم تحضير”، بل قد تكون انعكاسًا لصعوبة حقيقية في استدعاء الكلمات وتنظيمها ضمن جملة مفهومة.


اضطراب القواعد وبناء الجملة

يعاني كثير من الأطفال ذوي اضطراب اللغة الشفهية من مشكلات في:

  • استخدام أدوات اللغة: أدوات التعريف، حروف الجر، الروابط، وأسماء الإشارة

  • ترتيب الكلمات داخل الجملة بما يغيّر المعنى أو يجعله غامضًا

  • تصريف الأفعال زمنًا وعددًا وشخصًا بطريقة متناسقة مع السياق

  • استعمال الضمائر بالشكل السليم أو تفاديها بالكامل

ينتج عن ذلك خطاب أقرب إلى اللغة “التلغرافية”؛ كلمات أساسية بلا روابط واضحة، تحتاج من المعلّم إلى مزيد من الإصغاء والصبر لتفسير المقصود، وتقديم نماذج لغوية سليمة دون تصحيح جارح أو محرج.


صعوبات الفهم والاستماع

على مستوى الفهم، قد يبدو التلميذ كأنه “شارد” أو “غير منتبه”، بينما المشكلة الحقيقية هي في معالجة الكلام المسموع. من المؤشرات الشائعة:

  • حاجة الطفل إلى تكرار التعليمات أكثر من مرة أو تبسيطها بشكل واضح

  • صعوبة في فهم المعاني المجردة، والفروق الدقيقة، والتلميحات، والسخرية، والنكت

  • صعوبة في استيعاب المفاهيم الزمنية والمكانية (قبل/بعد، يمين/يسار، الأمس/الغد…)

  • بطء في اكتساب المفردات الجديدة وإعادة استخدامها في سياقات أخرى

في القسم، من المفيد أن يدعم المعلّم الشرح الشفهي بالكتابة على السبورة، والرسوم التوضيحية، والإيماءات، وتقسيم التعليمات إلى خطوات قصيرة واضحة.


أثر اضطراب اللغة على المهارات الاجتماعية

لا يقتصر اضطراب اللغة الشفهية على الجانب الأكاديمي، بل يمتد بقوة إلى الحياة الاجتماعية للطفل:

  • يميل بعض الأطفال إلى الانسحاب وتجنب المشاركة في الأنشطة الجماعية خوفًا من الوقوع في الخطأ أو التعرض للسخرية

  • يفضّل آخرون الاعتماد على الإشارات وتعابير الوجه والضحك المتوتر بدل الكلام المباشر

  • قد تظهر سلوكيات اندفاعية، مقاطعة الآخر، عدم احترام أدوار الحديث، أو انفجار في الغضب عند عدم فهم الرسالة أو عجزه عن التعبير

هذه الصعوبات تؤثر على صورة الطفل عن نفسه وتقديره لذاته، وقد تؤدي إلى حساسية مفرطة تجاه الملاحظات أو النقد، مما يستدعي تعاملاً تربويًا متوازنًا بين الحزم والتعاطف.


دور المعلّم في الاكتشاف والمرافقة

يلعب المعلّم دورًا محوريًا في:

  • رصد العلامات الأولى: فقر المفردات، الجمل غير المكتملة، الاعتماد المفرط على الإيماءات، الارتباك أمام التعليمات الشفهية

  • تدوين ملاحظات منظمة يمكن مشاركتها مع الأسرة والاختصاصيين (أخصائي النطق، الطبيب، الأخصائي النفسي…)

  • تكييف أنشطة القسم: تبسيط التعليمات، استعمال الوسائط المتعددة، إعطاء وقت إضافي للإجابة، تشجيع التعبير بأي وسيلة دون سخرية

  • خلق جو صفّي آمن يشجع على المحاولة والمشاركة، ويحدّ من التنمر أو التعليقات الجارحة

كلما تم اكتشاف الاضطراب مبكرًا، زادت فرص الاستفادة من برامج التدخل والعلاج، وتحسنت قدرة الطفل على متابعة التعلم والاندماج في القسم.

Next Post Previous Post
No Comment
Add Comment
comment url

مواضيع مختارة لك